العيني
35
عمدة القاري
ولم يخرجاه . قلت : أجيب عنه بوجهين : أحدهما : أنه ضعيف ، فإن محمد بن عبد العزيز قال البخاري فيه : منكر الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث ليس له حديث مستقيم ، وقال ابن حبان في ( كتاب الضعفاء ) : يروي عن الثقات المعضلات ، وينفرد بالطامات عن الأثبات حتى سقط الاحتجاج به ، وقال ابن قطان في كتابه : هو أحد ثلاثة أخوة كلهم ضعفاء : محمد وعبد الله وعمران ، بنو عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، وأبوهم عبد العزيز مجهول الحال ، فاعتل الحديث بهما . والثاني : أنه معارض بحديث رواه الطبراني في ( الأوسط ) بإسناده ( عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، استسقى فخطب قبل الصلاة ، واستقبل القبلة وحول رداءه ، ثم نزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلاّ تكبيرة ) . الأمر الثالث : في أن وقت صلاة الاستسقاء كوقت صلاة العيدين ، كما دل عليه حديث ابن عباس ، وقد اختلف في ذلك . فذهب مالك والشافعي وأبو ثور : إلى أنه يخرج لها كالخروج إلى صلاة العيدين ، وحكى ابن المنذر وابن عبد البر عن الشافعي هذا ، ونقل ابن الصباغ في ( الشامل ) وصاحب ( جمع الجوامع ) عن نص الشافعي : أنها لا تختص بوقت ، وبه قطع المتولي والماوردي وابن الصباغ ، وصححه الرافعي في المحرر ، ونقل النووي القطع به عن الأكثرين ، وأنه صححه المحققون وأما وقتها كوقت العيد ، فقال إمام الحرمين : إنه لم يرو لغير الشيخ أبي علي . قلت : لم ينفرد به الشيخ أبو علي ، بل قاله أيضا الشيخ أبو حامد والمحاملي البغوي في ( التهذيب ) [ / ح . الأمر الرابع : في أنه يقرأ في صلاة الاستسقاء بعد الفاتحة ما يقرأ في العيدين ، أما سورة ق واقتربت ، أو سبح اسم ربك الأعلى والغاشية ، وهو قول الشافعي استدلالاً بما في حديث ابن عباس المذكور : ( فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين ) . وقال الشافعي في ( الأم ) : ويصلي ركعتين لا يخالف صلاة العيد بشيء ، ونأمره أن يقرأ فيها ما يقرأ في صلاة العيد . قال : وما قرأ به مع أم القرآن أجزأه ، وإن اقتصر على أم القرآن في كل ركعة أجزأه ، وصدر الرافعي كلامه بأنه يقرأ في الأولى ق ، وفي الثانية : اقتربت ، ثم حكى عن بعض الأصحاب أنه يقرأ في الأولى : ق ، وفي الثانية : إنا أرسلنا نوحا . وعند أصحابنا : ليس في صلاة ، أي صلاة كانت ، قراءة مؤقتة ، وذكر في ( البدائع ) و ( التحفة ) : الأفضل أن يقرأ فيهما : سبح اسم ربك الأعلى في الأولى ، وفي الثانية : هل أتاك حديث الغاشية . . الأمر الخامس : أنه يجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء ، لما روى الترمذي من حديث ( عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي ، فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما . . ) الحديث . وعن أبي يوسف : أحسن ما سمعنا فيه أن يصلي الإمام ركعتين جاهرا بالقراءة مستقبلاً بوجهه قائما على الأرض دون المنبر ، متكئا على قوس يخطب بعد الصلاة خطبتين ، وعن أبي يوسف : خطبة واحدة ، لأن المقصود منها الدعاء فلا يقطعها بالجلسة ، وعند محمد : يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة ، وبه قال الشافعي . ثم إعلم أن أبا حنيفة قال : ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة ، فإن صلى الناس وحدانا جاز ، إنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار ، لقوله تعالى : * ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ) * ( نوح : 01 و 11 ) . علق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة ، فكأن الأصل فيه الدعاء والتضرع دون الصلاة ، ويشهد لذلك أحاديث : منها : الحديث المذكور ، لأنه لم يذكر فيه الصلاة . ومنها : حديث أنس ، على ما يأتي في الباب الآتي . ومنها : حديث كعب بن مرة ، رواه ابن ماجة من رواية شرحبيل بن السمط ، أنه قال لكعب : يا كعب بن مرة ( حدِّثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحذر ! قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، استسق الله ، عز وجل ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إسقنا غيثا مريعا طبقا عاجلاً غير رائث ، نافعا غير ضار ، قال : فاجتمعوا حتى أجيبوا . قال : فاتوه فشكوا إليه المطر ، فقال : يا رسول الله ، تهدمت البيوت ، فقال رسول الله : اللهم حوالينا ولا علينا . قال : فجعل السحاب يتقطع يمينا وشمالاً ) . ومنها : حديث جابر ، رواه أبو داود من رواية يزيد الفقير ( عن جابر بن عبد الله قال : أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بواكٍ ، فقال : اللهم إسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار ، عاجلاً غير آجل ، قال : فأطبقت عليهم السماء ) ، انتهى . قوله : ( بواك ) ، جمع باكية . وقال الخطابي : بواكي ، بضم الياء آخر الحروف ، قال : معناه التحامل . قوله : ( مريعا ) ، بفتح